السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 76
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
واتّجاهاته قبل ذلك يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حدّاً فاصلًا بين عصرين من عصور العلم ؛ بين العصر العلمي التمهيدي والعصر العلمي الكامل ، فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدّاً للعصر التمهيدي ، وبدأ به عصر العلم الذي أصبح الفقه والأصول فيه علماً له دقّته وصناعته وذهنيته العلمية الخاصّة . ولعلّ أفضل طريقةٍ ممكنةٍ في حدود إمكانات هذه الحلقة لتوضيح التطور العظيم الذي أحرزه العلم على يد الشيخ الطوسي أن نلاحظ نصَّين ، كتب الشيخ أحدهما في مقدّمة كتاب « العدّة » ، وكتب الآخر في مقدّمة كتاب « المبسوط » . أمّا في كتاب « العدّة » فقد كتب في مقدِّمته يقول : « سألتم - أيّدكم اللَّه - إملاء مختصرٍ في أصول الفقه يحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والاختصار على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا ، فإنّ من صنَّف في هذا الباب سلك كلّ قومٍ منهم المسلك الذي اقتضاه أصولهم ، ولم يعهد من أصحابنا لأحدٍ في هذا المعنى إلّا ما ذكره شيخنا أبو عبد اللَّه رحمه الله في « المختصر » الذي له في أصول الفقه ولم يستقصه ، وشذّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حرّرها ، وإنّ سيّدنا الأَجَلّ المرتضى - أدام اللَّه علوّه - وإن أكثر في أماليه وما يقرأ عليه شرح ذلك فلم يصنِّف في هذا المعنى شيئاً يرجع إليه ويجعل ظهراً يستند إليه ، وقلتم : إنّ هذا فنّ من العلم لا بدّ من شدّة الاهتمام به ؛ لأنّ الشريعة كلّها مبنيّة عليه ، ولا يتمّ العلم بشيءٍ منها دون إحكام أصولها ، ومن لم يُحكم اصولَها فإنّما يكون حاكياً ومعتاداً ، ولا يكون عالماً » « 1 » . وهذا النصّ من الشيخ الطوسي يعكس مدى أهمّية العمل الأصولي الذي
--> ( 1 ) عدّة الأصول 1 : 3 - 4